ابن تيمية

26

مجموعة الفتاوى

و " الثَّانِيَةُ " طَلَبِيَّةٌ . وَهِيَ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا } وَالْجُمْلَتَانِ مُقَرِّرَتَانِ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى مُؤَكِّدَتَانِ لِمَضْمُونِهَا . ثُمَّ لَمَّا تَمَّ تَقْرِيرُهَا وَبَيَانُ مَا يُضَادُّهُ أَمَرَ بِدُعَائِهِ خَوْفاً وَطَمَعاً ؛ لِتَعَلُّقِ قَوْلِهِ { إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } . وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ : { وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً } مُشْتَمِلاً عَلَى جَمِيعِ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَهِيَ الْحُبُّ وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ : عَقَّبَهَا بِقَوْلِهِ { إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } أَيْ : إنَّمَا تَنَالُ مَنْ دَعَاهُ خَوْفاً وَطَمَعاً فَهُوَ الْمُحْسِنُ وَالرَّحْمَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْإِحْسَانِ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ . وَلَمَّا كَانَ دُعَاءُ التَّضَرُّعِ وَالْخُفْيَةِ يُقَابِلُ الِاعْتِدَاءَ بِعَدَمِ التَّضَرُّعِ وَالْخُفْيَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } . وَانْتِصَابُ قَوْلِهِ : { تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } { خَوْفاً وَطَمَعاً } عَلَى الْحَالِ أَيْ اُدْعُوهُ مُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ مُخْتَفِينَ خَائِفِينَ مُطِيعِينَ . وَقَوْلُهُ : { إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } فِيهِ تَنْبِيهٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَ هَذَا الْمَأْمُورِ هُوَ الْإِحْسَانُ الْمَطْلُوبُ مِنْكُمْ وَمَطْلُوبُكُمْ أَنْتُمْ مِنْ